القرطبي

207

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الوقف عند قوله : " كعصف مأكول " [ الفيل : 5 ] ليس بقبيح . وكيف يقال إنه قبيح وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى والتي بعدها في الركعة الثانية ، فيتخللها من قطع القراءة أركان ؟ وليس أحد من العلماء يكره ذلك ، وما كانت العلة فيه إلا أن قوله تعالى : " فجعلهم كعصف مأكول " [ الفيل : 5 ] انتهاء آية . فالقياس على ذلك : ألا يمتنع الوقف عند أعجاز الآيات سواء كان الكلام يتم ، والغرض ينتهي ، أو لا يتم ، ولا ينتهي . وأيضا فإن الفواصل حلية وزينة للكلام المنظوم ، ولولاها لم يتبين المنظوم من المنثور . ولا خفاء أن الكلام المنظوم أحسن ، فثبت بذلك أن الفواصل من محاسن المنظوم ، فمن أظهر فواصله بالوقوف عليها فقد أبدى محاسنه ، وترك الوقوف يخفي تلك المحاسن ، ويشبه المنثور بالمنظوم ، وذلك إخلال بحق المقروء . الثانية - قال مالك : الشتاء نصف السنة ، والصيف نصفها ، ولم أزل أرى ربيعة ابن أبي عبد الرحمن ( 1 ) ومن معه ، لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا ، وهو يوم التاسع عشر من بشنس ، وهو يوم خمسة وعشرين من عدد ( 2 ) الروم أو الفرس . وأراد ( 3 ) بطلوع الثريا أن يخرج السعاة ، ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم ، وأن طلوع الثريا أول ( 4 ) الصيف ودبر الشتاء . وهذا مما لا خلاف فيه بين أصحابه عنه . وقال عنه أشهب وحده : إذا سقطت الهقعة ( 5 ) نقص الليل ، فلما جعل طلوع الثريا أول الصيف ، وجب أن يكون له في مطلق السنة ستة أشهر ، ثم يستقبل الشتاء من بعد ذهاب الصيف ستة أشهر . وقد سئل محمد بن عبد الحكم عمن حلف ألا يكلم امرأ حتى يدخل الشتاء ؟ فقال : لا يكلمه حتى يمضي سبعة عشر من هاتور . ولو قال حتى يدخل الصيف ، لم يكلمه حتى يمضي سبعة عشر من بشنس . قال القرظي : أما ذكر هذا عن محمد في بشنس ، فهو سهو ، إنما هو تسعة عشر من بشنس ، لأنك إذ حسبت المنازل

--> ( 1 ) هو ربيعة الرأي أدرك بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والأكابر من التابعين وكان صاحب الفتوى بالمدينة وعنه أخذ مالك بن أنس وغيره . توفى سنة 136 ه‍ . ( 2 ) كذا في الأصول وابن العربي . أي من عدد شهورهم ( 3 ) كذا في ابن العربي . وفي نسخ الأصل : ( وأرى ) . ( 4 ) في ابن العربي : ( قبل الصيف ) . ( 5 ) الهقعة : ثلاثة كواكب نيرة قريب بعضها من بعض فوق منكب الجوزاء ، وهي منزل من منازل القمر .